ملا محمد مهدي النراقي
46
جامع الأفكار وناقد الأنظار
وعلى هذا - أعني : / 120 MB / كون الأمر الّذي يتوقّف عليه التعقّل بالفعل رابطة وعلاقة بين المدرك والمدرك - نقول : الرابطة المتصوّرة بينهما منحصرة بحضور المدرك عند المدرك ، إمّا بذاته أو بصورته ، والحضور بذاته إمّا أن يكون المعقول أمرا مبائنا عن العاقل ولكن يكون بينهما نوع علاقة - كأن يكون المعقول آلة أو قوّة للعاقل أو معلولا له صادرا ومترشّحا عنه - أو لا يكون أمرا مبائنا عنه ، بل يكون عينه أو لوازم ذاته ، ولا ريب انّ أقوى هذه الاقسام ربطا وعلاقة القسم الآخر - أعني : كون المعقول عين العاقل حاضرا ذاته عند ذاته - . وجميع هذه الاقسام راجعة إلى الحضور ، فانّ المتعقّل بالذات في تعقّل الشيء بصورته انّما هو الصورة وتعقّلها إنّما هو لحضورها عند العاقل وارتسامها في ذاته ، ولذا قيل : انّ العلم منحصر بالحضوري . قال بعض الأعلام : وان سألت الحقّ فليس العلم حقيقة الّا الحضوري ، والتقسيم بالحصولى والحضوري ليس إلّا باعتبار أوّل النظر وبادي الرأي ، لأنّ المعلوم بالعلم الحصولي حقيقة ليس الّا الصورة الحاصلة في العقل وذو الصورة معلوم بالعرض - على ما هو رأي الشيخين حيث قالا : انّ النفس لا تدرك إلّا ما حصل فيها ، وهو الصورة - . ويدل على ذلك انّه لو ارتفع ذو الصورة عن الخارج لكان الادراك بحاله ، ألا ترى انّ النائم والمرتسم يدركان ما لا وجود له في الخارج على نحو ادراك ما في الخارج ؟ ! فظهر انّ المعلوم حقيقة هو الصورة وذو الصورة معلوم بالعرض والصورة حاضرة عند النفس ، فتكون الصورة معلومة بالعلم الحضوري . وبناء على ما هو المذهب المنصور من انّ الأشياء تحصل بأنفسها في الذهن ليس العلم الّا العلم بالكنه ، لا العلم بالوجه ؛ لانّ وجه الشيء إذا حصل في العقل فالمعلوم حقيقة هو حقيقة ذلك الوجه وذو الوجه معلوم بالعرض ، فالمعلوم حقيقة هو كنه الوجه - بناء على أنّ الأشياء تحصل بأنفسها في الذهن - ، فاتّضح انّ العلم حقيقة ليس إلّا الحضوري وانّ العلم لا يكون إلّا بالكنه » ؛ انتهى . وإذا ثبت أنّ جميع اقسام الرابطة راجعة إلى الحضور فنقول : لا ريب حينئذ في أنّ أقوى اقسام الحضور وعدم الغيبة حضور الذات للذات ، فتكون الرابطة الّتي هي شرط التعقّل بالفعل للمجرّد بالنسبة إلى تعقّل ذاته موجودة ، فيكون كلّ مجرّد عاقلا لذاته